Archive | March, 2010

في جنازتي

3 Mar

ايتها الغالية..

لو اردت الحقيقة فانا لا اعرف ماذا يتعين علي ان اكتب لك..كل الكلمات التي يمكن ان يخفقها قلم مشتاق كتبتها لك عندما كنت هناك، اما الآن.. فلا شيئ استطيع ان لا اكرره على مسمعك..ماذا اقول لك؟ أأقول كما يقول اي انسان سوي بأن حبك يجري هادراُ في دمي كطوفان لا يلجم؟ كنت استطيع ان اقول ذلك لو كان هذا الذي يجري في شراييني شيئاً ذا قيمة.. ولكني في الحقيقة انسان مريض..فالدم الذي يحترق في لا قيمة له على الاطلاق: فهو دم يليق بانسان عجوز، نصف ميت، نصف ساكن، ليس في صدره سوى صناديق الماضي المقفلة، اما مستقبله فمجرد شمعة تضيئ آخر لهبها كي تنطفئ، ثم ينتهي كل شيئ..

.. كنت اعيش من اجل غد لا خوف فيه.. وكنت اجوع من اجل ان اشبع في ذات يوم.. وكنت اريد ان اصل الى هذا الغد.. لم يكن لحياتي يومذاك اية قيمة سوى ما يعطيها الأمل العميق الأخضر بأن السماء لا يمكن ان تكون قاسية الى لا حدود.. و بأن هذا الطفل، الذي تكسرت على شفتيه ابتسامة الطمأنينة، سوف يمضي حياته هكذا، ممزقاً كغيوم تشرين، رمادياً كأودية مترعة بالضباب، ضائعا كشمس جاءت تشرق فلم تجد افقها…

ولكن السماء والارض و كل شيء، كانت على شكل مغاير لآمال الصغير… لقد مضت الشهور قاسية بطيئة.. وحين كبر.. تسلمته عائلته كي يعطيها اللقمة التي اعطته يوم لم يكن يستطيع ان ينتزعها بنفسه.. المسؤولية شيء جميل.. ولكن الرجل الذي يواجه مسؤولية لا يقدر على احتمالها تسلب رجولته شيئاً فشيئاً تحت ضغط الطلب..كل شيء في العالم كان يقف في وجهه.. كل انسان كان يصفعه، وكل يوم يمر كان يبصق في وجهه شعوراً مراً حاد المرارة بالتقصير.

ورغم ذلك.. كنت أقول لذات نفسي “اصبر، يا ولد، انك ما زلت على أعتاب عمرك، وغداً أو بعد غد، سوف تشرق شمس جديدة، ألست تناضل الآن من أجل ذلك المستقبل؟ سوف تفخر بانك انت الذي صنعته باظافرك، منذ اسّه الأول.. الى الآخر..” وكان هذا الأمل يبرر لي يومي، وكنت أحدق الى الامام وأدوس على أشواك درب جاف كأنه طريق ضيق في مقبرة.

..ثم حدث شيئ جميل، لقد انشقت الغيوم المتكومة عن ضوء بعيد، تحررت قليلاً من ضغط الحاجة.. ثم.. ثم تعرفت اليك.. اتذكرين؟ لقد جمعتنا حفلة صغيرة، و حين التقت عيوني بعيونك أحسست بمعول ينقض في صدري فيهدم كل المرارة التي اجترعتها طوال طفولتي. . . كان شعرك في اروع فوضى، و كانت عيونك مؤطرة بسواد آسر. . . وجدت نفسي احدق اليك دون وعي وكتبت انت عن هذه اللحظة في مذكراتك- التي قرأتها فيما بعد- انك استلطفت هذا البحار الذي يحدق كأنما يوشك ان يلقي مرساته في ميناء.

..وغبت عنك بعيداً حيث اقتلع لقم عيشي اقتلاعاً…وهناك، في ذلك البلد البعيد الذي يحتوي على كل شيئ و ليس فيه أي شيئ… البلد الذي يعطيك كل شيئ و يضن عليك بكل شيئ، في ذلك البلد البعيد الذي يتلون افقه في كل غروب بحرمان ممض، و الذي يشرق صباحه بقلق لا يرحم.. هناك، كنت اعيش على امل ان استطيع، في يوم يأتي ان اضع حداً لكل شيئ.. وان أبدأ معك من جديد منذ البدء..و لكن القدر كان لا يريد للشراع ان يندفع في ريح طموح وحينما جأرت عيون الطبيب تدب الي خبر الرعب الذي يجري في عروقي، أحسست بالقلوع كلها تتهاوى في اعماقي، و سمعت قرقعة التهاوي تدوي في أذني، ويدور عالمي بي حتى تغشى عيوني بضباب ساخن..وعيون الطبيب امامي تكفن مستقبلي، وعروق جبهته العريضة تقدم تفاصيل عذاب متصل ناشف.

..انني امشي في جنازتي رغم انفي . . . كل العظات الجوفاء التي علمتها في السنوات الماضية تبدو لي الأن فقاعات صابون سخيفة شديدة السخافة، ان المرء يكون شجاعاً طالما هو ليس في حاجة للشجاعة. . ولكنه يتهاوى حينما تصبح القضية قضية حقيقية. . . حينما يصبح عليه ان يفهم الشجاعة بمعنى الاستسلام. . بمعنى ان يلقي جانباً كل ما هو انساني ويكتفي بالتفرج، لا بالممارسة

غسان كنفاني
“موت السرير رقم 12”
مجموعة قصصية. . .

Advertisements